محمد هادي معرفة
185
التمهيد في علوم القرآن
وفي رواية عن ابن عباس قوله : « وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا . . . إلى قوله : بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » * « 1 » نزلتا بالمدينة « 2 » . قلت : أمّا الآية رقم 41 و 42 فلا دلالة فيها على أنّ المراد هي الهجرة الثانية إلى المدينة ، بل الظاهر منها أنّها : الهجرة الأولى إلى الحبشة ، كما روي ذلك عن قتادة أيضا « 3 » وأمّا القول بنزول ما بعد آية الأربعين إلى آخر السورة بالمدينة فلا مستند له وسياق الآيات أيضا ينافيه . وأمّا الآية رقم 95 و 96 فقيل : نزلت بشأن امرئ القيس الكندي ، كان قد غصب أرضا من عبدان الأشرع الحضرموتي . فشكاه إلى النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) فأنكر امرؤ القيس ، فاستحلفه فاستعظم أن يحلف كاذبا ، فنزلت الآية « 4 » . وهذه القصة وقعت بالمدينة ! لكن القصة لم تثبت ، ولهجة الآية عامّة ، وسياقها يشهد بانسجامها الوثيق مع آيات قبلها ، تهدف تقريعا عنيفا بأولئك المشركين المعاندين . وملاحظة عابرة بالآية تجعلنا نطمئن بأنّها مرتبطة تمام الارتباط مع الآية رقم : 91 « وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ » توكيدا منها ، وتثبيتا بموقف المؤمنين آنذاك ، فلا يشتروا بما عاهدوا اللّه عليه ثمنا بخسا : عرض هذه الحياة الدنيا ، تجاه ما أعدلهم من عظيم الأجر والثواب وحسن الخاتمة « 5 » . * * * وأمّا آية « وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ » فقد اختلف المفسّرون فيها على ثلاثة أقوال : الأوّل : أنّها نزلت يوم أحد ، عندما وقف النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) على حمزة وقد مثّل به ، فما كان أوجع لقلبه الكريم ، فقال : أما واللّه لامثّلنّ بسبعين ،
--> ( 1 ) النحل : 95 - 96 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 6 ص 347 . ( 3 ) الدر المنثور : ج 4 ص 118 . ( 4 ) مجمع البيان : ج 6 ص 384 . ( 5 ) راجع الدر المنثور : ج 4 ص 129 .